الآلوسي
169
تفسير الآلوسي
اللازمة لها بيان لإحاطة علمه تعالى بما يضمرونه من نياتهم بعد بيان إحاطة بأعمالهم التي يظهرونها ، وجوز أن يراد * ( بذات الصدور ) * نفسها وحقيقتها على أن الإحاطة بما فيها تعلم بالأولى . * ( ءَامِنُواْ باللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ) * . * ( ءَامَنُواْ بالله وَرَسُوله وَأَنْفقُواْ ممَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلفينَ فيه ) * أي جعلكم سبحانه خلفاء عنه عز وجل في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة ، عبر جل شأنه عما بأيديهم من الأموال بذلك تحقيقاً للحق وترغيباً في الإنفاق فإن من علم أنها لله تعالى وإنما هو بمنزلة الوكيل يصرفها إلى ما عينه الله تعالى من المصارف هان عليه الانفاق ، أو جعلكم خلفاء عمن كان قبلكم فيما كان بأيديهم فانتقل لكم ، وفيه أيضاً ترغيب في الانفاق وتسهيل له لأن من علم أنه لم يبق لمن قبله وانتقل إليه علم أنه لا يدوم له وينتقل لغيره فيسهل عليه إخراجه ويرغب في كسب الأجر بإنفاقه ويكفيك قول الناس فيما ملكته لقد كان هذا مرة لفلان ، وفي الحديث " يقول ابن آدم : ما لي ما لي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت " والمعنى الأول هو المناسب لقوله تعالى : * ( له ملك السماوات والأرض ) * ( البقرة : 107 ) وعليه ما حكى أنه قيل لاعرابي : لمن هذه الإبل ؟ فقال : هي لله تعالى عندي ، ويميل إليه قول القائل : وما المال والأهلون ( إلا ودائع ) * ولا بد يوماً أن ترد الودائع والآية على ما روى عن الضحاك نزلت في تبوك فلا تغفل * ( فالَّذينَ ءَامنُواْ مِنْكُمْ وَأَنْفَقُواْ ) * حسبما أمروا به * ( لَهُمْ ) * بسبب ذلك * ( أَجْرٌ كَبيرٌ ) * وعد فيه من المبالغات ما لا يخفى حيث جعل الجملة اسمية وكان الظاهر أن تكون فعلية في جواب الأمر بأن يقال مثلاً آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا تعطوا أجراً كبيراً ، وأعيد ذكر الايمان والانفاق دون أن يقال فمن يفعل ذلك فله أجر كبير وعدل عن فالذين آمنوا منكم وأنفقوا أجر إلى ما في النظم الكريم وفخم الأجر بالتنكير ، ووصف بالكبير ، وقوله عز وجل : * ( وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ باللَّهِ والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) * . * ( وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمنُونَ بالله ) * استئناف قيل : مسوق لتوبيخهم على ترك الايمان حسبما أمروا به بإنكار أن يكون لهم في ذلك عذر ما في الجملة على أن لا تؤمنون حال من ضمير لكم والعامل ما فيه من معنى الاستقرار أي أيّ شيء حصل لكم غير مؤمنين على توجيه الانكار والنفي إلى السبب فقط مع تحقق المسبب وهو مضمون الجملة الحالية أعني عدم الايمان فأي لإنكار سبب الواقع ونفيه فقط ، ونظيره قوله تعالى : * ( ما لكم لا ترجون لله وقاراً ) * ( نوح : 13 ) وقد يتوجه الانكار والنفي في مثل هذا التركيب لسبب الوقوع فيسريان إلى المسبب أيضاً كما في قوله تعالى : * ( وما لي لا أعبد ) * الخ ولا يمكن إجراء ذلك هنا لتحقق عدم الايمان وهذا المعنى مما لا غبار عليه ، وقوله تعالى : * ( والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لتُؤمنُواْ برَبِّكُمْ ) * حال من ضمير * ( لا تؤمنون ) * مفيدة على ما قيل : لتوبيخهم على الكفر مع تحقق ما يوجب عدمه بعد توبيخهم عليه مع عدم ما يوجبه ، ولام * ( لتؤمنوا ) * صلة - يدعو - وهو يتعدى بها وبإلى أي وأي عذر في ترك الايمان * ( والرسول يدعوكم ) * إليه وينبهكم عليه ، وجوّز أن تكون اللام تعليلية وقوله سبحانه : * ( وَقَدْ أَخَذَ ميثَاقَكُمْ ) * حال من فاعل يدعوكم أو من مفعوله أي وقد أخذ الله ميثاقكم بالايمان من قبل كما يشعر به تخالف الفعلين مضارعاً وماضياً ، وجوز كونه حالاً معطوفة على الحال قبلها فالجملة حال بعد حال من ضمير * ( تؤمنون ) * والتخالف بالاسمية والفعلية يبعد ذلك في الجملة ، وأياً مّا كان فأخذ الميثاق إشارة إلى ما كان منه تعالى من نصب الأدلة الآفاقية والأنفسية